يقول المؤرخ البريطانى «نييل فيرجسون»، وربما يكون هو المؤرخ الأكثر شهرةً فى عصرِنا، إن هناك جائحتين فى التاريخ كان من أثرهما إفناء نحو ثلث البشر على وجه الأرض. هاتان هما «طاعون جستنيان» فى القرن السادس، والموت الأسود فى القرن الرابع عشر. يُضيف أنه بعد فترة قصيرة من اندلاع جائحة كورونا، أصبحنا نعرف أن الوباء الحالى يختلف عن هذا النوع من الجوائح، ذلك أنه صار واضحًا أنه لن يؤدى إلى هذا العدد الهائل من الضحايا (الموت الأسود كان يقتل 50- 60% ممن يُصابون به، فيما لا تقتل كورونا سوى أقل من 1 فى المائة من المصابين).

مقالات متعلقة

«فيرجسون» يرى أن الجائحة الحالية أقرب شبهًا بالأنفلونزا الآسيوية التى ضربت العالم فى 1958- 1959. بلغ ضحايا تلك الجائحة نحو مليون ومائة ألف. مع ذلك، فإن التعاطى معها كان مختلفًا بصورة جذرية عن الطريقة التى تعاملنا بها مع «كورونا». لم يحدث إغلاق للاقتصاد، أو حجر منزلى، ولم يتأثر النشاط التجارى تقريبًا. يضيف المؤرخ البريطانى أن مَن عاشوا هذه الفترة لا يتذكرون على الأرجح أيام وباء الأنفلونزا الآسيوية لأنها لم تكن حدثًا كبيرًا، بل استمرت الحياة بصورة عادية تمامًا فى زمن الجائحة (رغم تجاوز الضحايا عتبة المليون.. وهو ما يعنى ثلاثة ملايين تقريبًا بحساب نسبة السكان فى زماننا!). وأغلب الظن أنه لو رأى أحدٌ ممن عايشوا هذا الزمن ما فعلنا فى مواجهة كورونا لاعتبر أن الفيروس يصيب الدماغ لا الجهاز التنفسى من فرط غرابة رِدّة فعلنا!

لماذا اختلفت الاستجابة بين زماننا وذاك الزمن الذى لم يكن بعيدًا تمامًا؟ السبب هو أن النظرة إلى الحياة والموت تباينت. فى الخمسينيات كان العالم خارجًا لتوّه من حرب عالمية طاحنة حصدت أرواح عشرات الملايين. الموت لم يكن شيئًا بعيد الاحتمال، بل هو أقرب إلى المرء من حبل الوريد، وحاضر فى كل بيت. صحيح أن الثورة الطبية التى نتجت عن اكتشاف الجراثيم، ثم المضادات الحيوية، قد قلصت إلى حد بعيد من معدل الوفيات، إلا أنها لم تقضِ تمامًا على عدد من الأمراض السارية. كانت أمراض مثل الجدرى والملاريا والكوليرا وشلل الأطفال تحصد الملايين سنويًا.

ولا شك أن الوضع فى دولة نامية كمصر كان أسوأ. لم يكن الجيلُ الذى عاش الخمسينيات بعيدًا عن أسباب الموت المفاجئ فى سنٍ صغيرة بسبب الحرب أو المرض أو حتى المجاعة. وكان هذا هو حال الدول النامية جميعًا، وفى الصين مثلًا حصدت المجاعة عشرات الملايين فى هذه الفترة.

والحال أن البشر عبر التاريخ عاشوا على هذا النحو القريب من الموت. لم يكن معدل العمر حتى عام 1800 يتجاوز 40 عامًا فى أى مكان على ظهر الأرض. السبب بالطبع هو العدد الهائل من وفيات الأطفال (واحد من كل ثلاثة فقط كان يُتوقع أن يعيش حتى يبلغ العشرين!). ومن المفارقات أن الأمراض السارية والأوبئة كانت غالبًا ما تُصيب فئة الأطفال والشباب أكثر من غيرهم من كبار السن. كان هذا هو الحال مع الموت الأسود، وأيضًا مع الجدرى الذى أطلقوا عليه «قاتل الأطفال»، بل إن كبار السن- وبعكس الحال اليوم!- كانت لديهم ما يُشبه المناعة ضد الأنفلونزا الإسبانية، التى حصدت الملايين بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة.

تصور «فيرجسون» فى محله. لو أن زائرًا من فترة تاريخية سابقة أطل على ما يجرى من زماننا لتولاه العجب الشديد. السبب أن مفهومنا عن الموت والعمر المُتوقَّع تغير جذريًا. اليوم يبلغ متوسط العمر المُتوقَّع فى الدنيا نحو 72 سنة. السبب الأكثر شيوعًا للوفاة هو الشيخوخة وما يرتبط بها من أمراض. الوفاة فى الطفولة أو بسبب الأوبئة صارت تقريبًا شيئًا من الماضى. فضلًا عن ذلك، نحن نعيش واحدة من أكثر الفترات سلمية فى التاريخ. الحروب بين القوى الكبرى اختفت منذ 1945. أى أن الجيل الذى يعيش عقده الثامن والتاسع لم يشهد أى حربٍ كبرى. نسبة الوفيات السنوية بسبب النزاعات المسلحة والحروب هى نفس نسبة الوفيات بسبب حوادث الطرق، وتدور حول 2%!

لهذا السبب فإن وعى البشر بالموت تغير. العمر الطويل صار حقًا مكتسبًا، وأمرًا مفروغًا منه تقريبًا. أغلب الجهود الطبية اليوم تتجه إلى القضاء على أمراض الشيخوخة القاتلة. الولايات المتحدة تنفق 86% من ميزانية الصحة على الأمراض المزمنة كالقلب والسكرى والسرطان وألزهايمر. وذلك بخلاف ما يُنفق على خداع الشيخوخة عبر التجميل (يبلغ حجم صناعة التجميل 250 مليارًا سنويًا).

نظرتنا إلى الموت هى السبب الرئيسى فى رِدة فعلنا، كبشر، حيال جائحة كورونا. نحن لم نعُد نتقبل فكرة أن يصير الموتى أرقامًا فى عداد. سياسات الحكومات لم تكن سوى انعكاس لتوقعات المجتمعات. هل تُعيدنا هذه الجائحة إلى سابق علاقتنا «الحميمة» والتاريخية بالموت غير المُتوقَّع، والموت قبل الأوان؟ سؤال مفتوح.

Leave a Reply

We are using cookies to give you the best experience. You can find out more about which cookies we are using or switch them off in privacy settings.
AcceptPrivacy Settings

GDPR